لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
44,689 مشاهدة
A+ A-

خاص موقع بنت جبيل 
فوق رقعة جغرافية لا تتعدى بضعة كيلومترات مربعة، تحبس الجبهة الجنوبية في لبنان أنفاسها أمام مرتفع صخري بات يختصر وحده موازين الردع وقواعد اللعبة برمتها؛ تلة "علي الطاهر" الرابضة شمالي مجرى نهر الليطاني والتابعة عقارياً لبلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية. لكن السؤال الذي يشغل غرف العمليات والتحليلات السياسية: ما الذي يجعل تلة بارتفاع 600 متر تتحول فجأة إلى مركز الثقل العسكري وبؤرة الضغط الأشد سخونة؟
السر يكمن في هندسة الجغرافيا العسكرية؛ فهذا المرتفع لا يكتفي بمحاذاة تلة وقلعة الشقيف المشرفة (720 متراً)، بل يشكل شرفة رصد استراتيجية تكشف أحياء النبطية الفوقا، وأطراف مدينة النبطية باتجاه الداخل، ودوحة كفررمان، ومحيط معبر جسر الخردلي، ممتداً بناظره شمالاً نحو الجرمق وسهل الميدنة. وتمنح هذه التضاريس ميزة كشف بالغة الحساسية تطل على قطاعات واسعة من قضاء صيدا-الزهراني وقضاء جزين، مستندة إلى ظهير دفاعي طبيعي في مرتفعات جبل الريحان وقرى إقليم التفاح، في حين تضع مستوطنات مثل "المطلة" وعمق إصبع الجليل على بعد 10 كيلومترات فقط تحت خط النار المباشر.
في هذا التوقيت الحرج، يبرز البعد السياسي والانتخابي بوضوح في حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ فالمعركة الدعائية التي استهلكت سابقاً عناوين بلدات الخيام وبنت جبيل والشقيف، انتقلت بثقلها إلى تلة علي الطاهر سعياً لأي إنجاز عسكري أو استعراض ناري وتوظيفه كرافعة انتخابية وسياسية داخلية قبل الاستحقاق الانتخابي القادم والذي يبدو ان نتنياهو حسب استطلاعات الرأي لن يحصل على ال 62 صوتا يضمن له تشكيل الحكومة المقبلة بحسب متابعة موقع بنت جبيل.
ورغم الضخ الإعلامي العبري الذي روّج في البداية لكون التلة مقراً مركزياً لقيادة "وحدة بدر" أو غرفة عمليات محصنة تضم مئات المقاتلين، تراجعت التقديرات العبرية سريعاً تحت وطأة الوقائع الميدانية لتعترف بأن القوة المرابطة لا تتعدى 40 إلى 50 مقاتلاً متخندقين في بنية دفاعية صلبة. وفي المقابل، يفرض حزب الله جداراً من الصمت والتكتم المطلق، متخذاً قراراً دفاعياً حاسماً بمنع قضم أي أراضٍ جديدة أو تثبيت واقع احتلالي إضافي، بمعزل عن أي ترتيبات ميدانية سبقت الحرب وشمِلت تسليم منشآت كبرى جنوب مجرى الليطاني للجيش اللبناني.
تخضع المنطقة لطوق عسكري واستخباراتي شبه كامل يغطي ما بين 70 و80 في المئة من محيطها؛ حيث تحولت البلدات المحاذية ككفرتبنيت، وأطراف النبطية الفوقا، ودوحة كفررمان، ومحيط الخردلي إلى مناطق معزولة تتعرض لعمليات تفجير وتجريف وقصف مدفعي يومي. ويتزامن هذا الحصار مع استباحة جوية مستمرة من طائرات الاستطلاع ومحلقات انتحارية تلقي عبوات ومواد متفجرة لاستهداف أي حركة، إلى جانب محاولات تسلل برية لفرق المشاة والآليات المسيّرة.
لكن الميدان كشف عن مفارقة لوجستية غير مسبوقة؛ فرغم مرور فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر تحت هذا الطوق الناري، لم تنقطع خطوط الإمداد الحيوية عن العناصر الصامدين داخل باطن التل. وتؤكد المعطيات التي اكدها الاعلامي في قناة الجديد محمد فرحات نجاح خطوط دعم مبتكرة تعتمد على تسيير طائرات مسيّرة لوجستية مخصصة لنقل مياه الشرب والمؤن الغذائية، فضلاً عن اختراقات ميدانية معقدة لتأمين الاحتياجات الأساسية والمحروقات اللازمة لتشغيل المنشآت تحت الأرض.
في مواجهة الفشل البري المتكرر أمام التحصينات الصخرية، يطرح السؤال التقني نفسه حول مدى قدرة إسرائيل على حسم العقدة نيرانياً، وعما إذا كانت ستلجأ لأسلحة غير تقليدية أو ذخائر أمريكية استراتيجية:
استحالة سيناريو "أم القنابل" (MOAB) وفئات الخوارق العملاقة (MOP).. اصطدام هذه الفرضية بحائط مسدود تفرضه شروط المنح الأمريكية؛ إذ تخضع هذه الأسلحة لفيتو قاطع من واشنطن يمنع تسليمها أو استخدامها لما تمثله من تفجير لحرب إقليمية لا يمكن احتواؤها، فضلاً عن استحالة تشغيلها عملياً لعدم امتلاك سلاح الجو الإسرائيلي القاذفات الثقيلة المخصصة لحملها.
عقدة الجيولوجيا الصخرية: تختلف بيئة تلال الجنوب كلياً عن تجاويف الجبال الهشة؛ فالطبيعة الصخرية الكلسية الشديدة لـ"علي الطاهر" تشتت عصف الانفجارات الفراغية على السطح وتمنعها من اختراق المنشآت شديدة العمق، مما يجعل الرهان على قنبلة عملاقة واحدة غير ذي جدوى عسكرية.
تكتيك الحفر الزلزالي المتتابع (القنابل زنة طن فما فوق): البديل العملياتي الذي يعتمده الاحتلال يقوم على تنفيذ غارات مكثفة ومتزامنة عبر مقاتلاته لإلقاء أسراب من قنابل الـ 2000 رطل (مثل GBU-28 ورؤوس BLU-109 الخارقة) على نقطة استهداف واحدة بأجزاء من الثانية، لخلق صدمة زلزالية متعاقبة تستهدف سحق المداخل، ردم فتحات التهوية، وقطع التواصل مع العالم الخارجي عبر الأحزمة النارية.
لا يتوقف مفهوم "تجاوز قواعد الاشتباك" عند حدود توسيع الرقعة الجغرافية أو تكثيف الغارات التدميرية فحسب، بل يمتد إلى سيناريوهات أشد قتامة ترتبط بطبيعة الخيارات المتبقية أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي. ففي حال تعثر محاولات التقدم البري وتكبده خسائر ميدانية فادحة وغير متوقعة أمام تحصينات واستبسال المقاتلين على التلال الحاكمة، قد تدفعه حالة العجز والارتباك العملياتي إلى خرق كافة الخطوط الحمر الدولية عبر اللجوء إلى ترسانته غير التقليدية. وتبرز هنا فرضية استخدام مواد أو أسلحة كيميائية وبيولوجية تكتيكية، سواء لتطهير الأنفاق والملاجئ الحصينة أو لكسر التوازن الميداني بأي ثمن؛ وهو خيار رغم تجريمه المطلق بموجب القوانين والمعاهدات الدولية يمثل ذروة الانزلاق العسكري الذي من شأنه إسقاط آخر ضوابط المعركة وتحويل الصراع الموضعي فوراً إلى حرب إقليمية شاملة ذات عواقب كارثية لا يمكن احتواؤها وذلك بحسب تصريحات ايرانية مسربة.
أمام ضيق الوقت وحاجة نتنياهو لتحقيق إنجاز سريع يسبق أي استحقاق سياسي أو انتخابي داخلي، يتأرجح الميدان بين ثلاثة مسارات تصاعدية:
حرب الاستنزاف الموضعية: استمرار تبادل الضربات التكتيكية المحدودة؛ كمائن وغارات ومسيّرات في مواجهة الروبوتات والتوغلات الميدانية، ضمن السقوف النارية الحالية.
الاجتياح البري وتجاوز الخطوط الحمر: محاولة شن عملية برية واسعة مدعومة بكثافة نارية قصوى، مع بقاء المخاوف قائمة من لجوء قيادة الاحتلال في حال تكبد خسائر ميدانية فادحة وغير محتملة إلى خرق كافة المواثيق الدولية واستخدام أسلحة تدميرية غير تقليدية لتطهير التحصينات المعقدة.
الانفجار الإقليمي الشامل وهو السيناريو الحتمي في حال كسر قواعد الاشتباك؛ حيث نُقلت تحذيرات ورسائل إيرانية حاسمة عبر قنوات وسيطة وإلى الإدارة الأمريكية تؤكد بوضوح أن طهران لن تقف متفرجة إزاء أي كسر لقواعد الردع أو ارتكاب مجزرة في تلة "علي الطاهر" الامر الذي من شأنه ان يشير الى وجود ضباط من الحرس الثوري في تلك التلة بحسب تصريحات العديد من المحللين السياسيين، وأن أي تجاوز للحدود المألوفة سيقابل بتدخل مباشر ورد عسكري يفتح الجبهات كافة، محولاً هذه التلة الجنوبية إلى شرارة حرب إقليمية مفتوحة.


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • باسيل طالب الرئيس عون بردّ قانون العفو العام: مجلس النواب ارتكب جريمة بحق الجيش والشعب تتمة...
  • رويترز: رئيس الموساد الإسرائيلي الجديد جوفمان أجرى اتصالًا هاتفيًا مع وزير الخارجية السوري الشيباني في 14 آب، تناول الوجود العسكري التركي في سوريا
  • الخارجية اللبنانية تدين بـ"أشد العبارات الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب": انتهاك صارخ لسيادة سوريا وسلامة أراضيها تتمة...
  • الشهـيدان علي سعيد وعلي ريحان: ارتقيا جراء انفجار تشريكة عبوات ناسفة وضعها الإحتلال الاسرائيلي قرب الساتر الترابي بين بلدتي ميفدون وزوطر الشرقية تتمة...