خاص بنت جبيل.اورغ
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، أنه سيسمح لشركات الطيران الأميركية باستئناف رحلاتها المباشرة إلى لبنان، في خطوة قد تنهي انقطاعاً دام أكثر من أربعين عاماً بين البلدين. جاء الإعلان عقب اجتماع الرئيس الأميركي بنظيره اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض.
وكتب ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يوجّه إدارته للسماح لجميع شركات الطيران الأميركية بالتوجّه مباشرة إلى لبنان، حتى يتمكّن الأميركيون من زيارة البلاد بسهولة.
وكانت الرحلات المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان قد عُلّقت منذ عام ١٩٨٥ بقرار من إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، في أعقاب حادثة خطف الطائرة التابعة لشركة "TWA" في الرحلة رقم ٨٤٧، ما جعل هذا الخط الجوي مغلقاً أمام جيل كامل من اللبنانيين المقيمين في أميركا.
زيارة تاريخية
يأتي الإعلان في سياق سياسي أوسع، إذ تُعدّ زيارة الرئيس عون إلى واشنطن الأولى لرئيس لبناني منذ عام ٢٠٠٩. وخلال اللقاء، تعهّد ترامب بتقديم دعم كبير للبنان، فيما بحث الجانبان الدعم العسكري الأميركي للجيش اللبناني والوضع الأمني في جنوب لبنان.
بين الإعلان والتطبيق مسافة
رغم الزخم الذي أحدثه الإعلان، فإن استئناف الرحلات فعلياً لا يزال مشروطاً بخطوات تقنية وأمنية طويلة، ولم يصدر حتى الآن أي جدول زمني، ولم تعلن أي شركة عن فتح الخط.
فأي استئناف للرحلات يتطلّب تقييمات أمنية أميركية موسّعة تشمل مراجعة البنية التحتية للمطار، وإجراءات التفتيش، وأنظمة سلامة الطيران، والتنسيق بين السلطات اللبنانية والأميركية.
وتبرز هنا عقبة أساسية، إذ لم تُجرِ إدارة الطيران الفدرالية الأميركية ("FAA") حتى اللحظة تقييماً لهيئة الطيران المدني اللبناني للتأكّد من التزامها بالمعايير الدولية لسلامة الطيران. ويُشترط عادةً حصول أي دولة على تصنيف "الفئة الأولى" (Category 1) من الإدارة الأميركية قبل السماح بتشغيل رحلات مباشرة من أراضيها.
كما لا يزال العامل الأمني حاضراً بقوة، في ظل تحذيرات أصدرتها الإدارة الأميركية بشأن مخاطر على الطيران المدني قرب أجواء المنطقة. وكانت شركات الطيران الدولية قد استأنفت رحلاتها إلى بيروت في نيسان الماضي بعد تعليق دام نحو أربعين يوماً بفعل الحرب، وذلك بضمانات أمنية جرى التوصّل إليها عبر الوساطة الأميركية لتجنيب المطار القصف.
دفعة منتظرة للجالية والاقتصاد
في حال تنفيذه، من شأن القرار أن يشكّل دفعة كبيرة للجالية اللبنانية الواسعة في الولايات المتحدة وكندا، عبر تقليص مدة السفر وتشجيع السياحة والاستثمار وتعزيز الروابط التجارية، في وقت يسعى فيه لبنان إلى إنعاش اقتصاده المتعثّر.
وتشير تقديرات التعداد الأميركي إلى أن عدد الأميركيين من أصل لبناني يتجاوز نصف المليون نسمة، تتصدّرهم مدينة ديربورن في ولاية ميشيغن بوصفها أكبر تجمّع لبناني في البلاد، تليها نيويورك ثم كاليفونيا. فيما تقدّر جهات أخرى، كالمعهد العربي الأميركي، العدد الإجمالي بنحو ١٫٤ مليون.
ديربورن... قلب الجالية اللبنانية في أميركا
تحتلّ مدينة ديربورن موقعاً خاصاً في هذا المشهد، إذ تُعرف بأنها عاصمة العرب في الولايات المتحدة، وتضمّ أعلى نسبة من الأميركيين من أصل عربي في البلاد، تتجاوز الأربعين في المئة من سكانها. وتعود جذور الجالية اللبنانية فيها إلى أوائل القرن العشرين، فيما شهدت موجات هجرة متتالية بلغت ذروتها خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية.
وتنعكس هذه الحضارة اللبنانية في تفاصيل المدينة اليومية، من المطاعم والمتاجر والمدارس وصولاً إلى الحياة السياسية المحلية، فيما يقع فيها المركز الإسلامي لأميركا، أكبر مسجد شيعي في البلاد، الذي أسّسه شبّان لبنانيون أميركيون في خمسينيات القرن الماضي.
لماذا يُطرح مطار ديترويت مرشّحاً؟
حين يدور الحديث عن وجهة أميركية تستحقّ خطّاً مباشراً إلى بيروت، يتقدّم اسم مطار ديترويت (DTW) لسبب جوهري: إنه المطار الأقرب إلى أكبر خزّان بشري لبناني لا يهدأ بالسفر من الولايات المتحدة. فولاية ميشيغن ليست ديربورن وحدها، بل شبكة واسعة من الجاليات اللبنانية تمتدّ من ديربورن وديربورن هايتس إلى ديترويت الكبرى ومناطق أبعد داخل الولاية وفي الولايات المجاورة كأوهايو بحسب مطلعين لموقع بنت جبيل.
هذا الثقل الديموغرافي المتراكم حول محور واحد يجعل مطار ديترويت، من حيث الطلب المحتمل، الأقرب إلى قلب الجالية بلا منازع؛ فالمسافر اللبناني في ميشيغن اليوم مضطرّ للتوقّف في مطار أوروبي أو عربي او خليجي قبل بلوغ بيروت، وأيّ خطّ مباشر من ديترويت من شأنه أن يختصر عليه ساعات طويلة ومتاعب الترانزيت.
غير أن الطلب وحده لا يصنع خطّاً جوياً. فمطار ديترويت أبعد قليلاً عن بيروت مقارنة بمطارات الساحل الشرقي (نحو خمسة آلاف ومئتي ميل بحري)، كما أن حجم حركته الإجمالية نحو الشرق الأوسط يبقى أصغر من نيويورك. لذلك يبقى ديترويت مرشّحاً قوياً من زاوية "قلب الجالية"، لكن الأرجح أن يأتي دوره كخطّ ثانٍ أو موسمي بعد أن يثبت الخطّ الأول جدواه.
لماذا يبقى مطار نيويورك الأبرز؟
من الناحية التجارية البحتة، تبقى مطارات نيويورك (JFK ونيوارك) الأوفر حظاً لاستضافة أول رحلة مباشرة، لأسباب متكاملة: فهي المحور الرئيسي للرحلات عبر الأطلسي، وتضمّ ثاني أكبر جالية لبنانية في البلاد، وتتمتّع بحجم حركة مسافرين ضخم يسهّل ملء الطائرة على مدار السنة، لا من اللبنانيين وحدهم بل من مسافري الأعمال والسياحة والترانزيت.
يضاف إلى ذلك عامل المسافة: تبعد نيويورك عن بيروت نحو خمسة آلاف ميل بحري، أي أقلّ من ديترويت، وهو فارق يمنح الطائرة هامشاً تشغيلياً أوسع في الحمولة والوقود. لذلك يرجّح أن يكون أول خطّ مباشر إلى بيروت من نيويورك، على أن تليه لاحقاً وجهات أخرى يتقدّمها ديترويت.
أما مطارا لوس أنجلوس (الذي يضمّ جالية لبنانية كبيرة، خصوصاً من المسيحيين والموارنة، لكن بُعده الشاسع يجعل الخط عبره أقرب إلى التوقّف منه إلى المباشر)، وواشنطن (المرشّح لاعتبارات سياسية ودبلوماسية أكثر منها تجارية)، فيبقيان في الصورة كخيارات لاحقة.
هل تملك "الميدل إيست" طائرات قادرة على عبور المحيط؟
يبقى السؤال الجوهري: هل يملك أسطول "طيران الشرق الأوسط" أصلاً الطائرات القادرة على قطع المسافة بين بيروت والساحل الأميركي من دون توقّف؟ الجواب: نعم، لكن بطائرة محدّدة وبعدد محدود.
يتألّف أسطول الشركة اللبنانية من نحو أربع وعشرين طائرة، كلها من صناعة إيرباص. أبرزها من حيث المسافات الطويلة أربع طائرات عريضة البدن من طراز A330-200 (بسعة ٢٤٤ مقعداً)، إلى جانب أسطول أكبر من الطائرات الضيّقة البدن من طرازي A320 وA321neo يخدم الخطوط القصيرة والمتوسطة نحو أوروبا والخليج وأفريقيا.
والطائرة العريضة A330-200 هي مربط الفرس هنا، إذ يبلغ مداها نحو سبعة آلاف ميل بحري، وهو ما يكفي بيسر لتغطية المسافة بين بيروت ونيويورك (نحو خمسة آلاف ميل بحري) بل وحتى ديترويت (نحو خمسة آلاف ومئتي ميل بحري) مع هامش مريح. وهذه الطائرة تحديداً هي التي تمتلك المؤهّلات التقنية لتشغيل خطّ مباشر إلى الولايات المتحدة.
غير أن عددها المحدود أربع طائرات فقط، وأغلبها مشغول على خطوط قائمة – يعني أن أي انطلاقة أميركية ستكون على الأرجح متواضعة في بدايتها (رحلة أو رحلتان أسبوعياً إلى وجهة واحدة)، لا أسطولاً كاملاً. ومن هنا تبرز أهمية الدفعة المقبلة، إذ تنتظر الشركة استلام أربع طائرات جديدة من طراز A330-900neo (النسخة الأحدث والأوفر مدىً واقتصاداً) تباعاً بين عامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٨، ما يعزّز جاهزيتها لخطوط المسافات الطويلة بحسب معلومات موقع بنت جبيل.
في المقابل، لا بدّ من توضيح مهمّ: رغم الحديث المتكرّر عن طائرات A321XLR الضيّقة البدن التي طلبتها الشركة (وكان لبنان من أوائل زبائنها في العالم)، فإن مدى هذه الطائرة – نحو أربعة آلاف وسبعمئة ميل بحري، وأقلّ بعد التعديلات الفنية – يجعلها مثالية لربط بيروت بأوروبا الغربية، لكنه لا يكفي للوصول إلى الساحل الأميركي مباشرة. أي أن حصان الرهان الأميركي يبقى الطائرة العريضة A330، لا الضيّقة XLR.
خيار الاستئجار حاضر
وإذا قرّرت "الميدل إيست" فتح خطّ أميركي قبل وصول طائراتها الجديدة، يبقى أمامها خيار استئجار طائرات عريضة من شركات التأجير العالمية، سواء بالتأجير التشغيلي المعتاد أو بالتأجير مع الطاقم (Wet Lease) لتجربة الخط قبل الالتزام الكامل به. وهو حلّ سريع يعوّض محدودية أسطولها العريض.
لكن الاستئجار يحلّ نصف المعادلة فقط؛ فهو يوفّر الطائرة، بينما تبقى التصاريح الأميركية – تقييم "FAA" والموافقات الأمنية واتفاقية الطيران الثنائية – هي الفرامل الحقيقية التي لا يتخطّاها استئجار. يُضاف إلى ذلك أن الشركة، المملوكة لمصرف لبنان والتي تمرّ بظروف مالية دقيقة، ستزن جدوى أي خطّ بعيد ومكلف قبل الإقدام عليه.
من يسبق: الميدل إيست أم الأميركيون؟
بناءً على ما تقدّم، يرجّح مراقبون أن تكون "طيران الشرق الأوسط" أول من يشغّل الخطّ المباشر، لا الشركات الأميركية مثل دلتا و اميركان ايرلاينز و غيرهم، لأسباب عدّة: فهي تمتلك الطائرات العريضة القادرة على المهمّة، وحافظت على عملياتها من مطار بيروت طوال فترة الحرب، وتعرف المطار وإجراءاته عن كثب. أما الشركات الأميركية الكبرى، فيُتوقّع أن تتريّث حتى يتّضح الوضع الأمني ومدى الجدوى التجارية قبل المجازفة بفتح خطّ جديد.
وهكذا، قد يكون أول من يربط ضفّتي المحيط بعد أربعين عاماً من الانقطاع طائرةً تحمل شعار الأرزة، لا شعار شركة أميركية — على أن تبقى كل هذه المؤشّرات رهن فتح الأبواب التقنية والأمنية التي لم تُفتح بعد.
تغطية مباشرة
-
بين جاهزية الأسطول وثقل "ديربورن": هل تفتتح "طيران الشرق الأوسط" خط بيروت - ديترويت المباشر؟ تتمة...
-
عون لترامب: الهدف النهائي هو إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل إلى الأبد تتمة...
-
الصليب الاحمر: اصابة مسعفين اثنين أثناء تنفيذ مهمة إنسانية للبحث عن شخص مفقود في زوطر الشر قية جراء انفجار لغم ارضي تتمة...
-
قيادة الجيش: الوحدات العسكرية دخلت بلدة زوطر الغربية ولم تدخل زوطر الشرقية تتمة...