لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
25,904 مشاهدة
A+ A-

خاص موقع بنت جبيل

هل وقّع لبنان على وثيقة جلاء الاحتلال، أم على صك هندسة حرب أهلية مؤجلة؟ هذا هو السؤال الحقيقي القابع خلف كواليس "اتفاق الإطار" برعاية واشنطن، والذي خرجت أطراف داخلية لترفع له أقواس النصر، بينما يرى فيه خبراء ومحللون فخاً استراتيجياً متكاملاً، أُحكمت حلقاته لتفكيك ما تبقى من سيادة وطنية وإدخال البلاد في نفق انقسام مظلم.

في قراءة جادة لبنود الاتفاقية، تكشفت ثغرات قانونية وسيادية تثير الريبة، لا سيما في البندين الثاني والثالث من "اتفاق الإطار". وتُشير المعطيات المتاحة إلى وجود "ملحق أمني سري"لم يتم الإفصاح عن محتواه للشعب اللبناني حتى الآن، وهو ما يمثل ذروة الغموض والتعتيم الرسمي.
هذا الملحق الأمني السري، الذي يبدو ملتصقاً بالوثيقة الإدارية ذاتها، يمثل جوهر الاتفاق الحقيقي، ومن حق الشعب اللبناني، بل ومن واجبه الوطني، أن يطالب السلطة اللبنانية بالكشف الفوري عن بنوده ومضامينه، ليعرف الجميع علامَ وقع رئيس البلاد وما هي التنازلات المستورة خلف الكواليس.

وما يعزز خطورة هذا البند السري ويثير الريبة الشديدة، هو حالة الصمت المطبق التي تنتهجها الدولة اللبنانية، إذ لم تحرك السُلطة ساكناً لتكذيب أو نفي ما تبثه القنوات والتلفزيونات ووسائل الإعلام الإسرائيلية من احتفاء عارم بهذا الاتفاق ومعلومات مثيرة تتكشف عبر الاعلام العبري نفسه. هذا الانكفاء الرسمي عن دحض الرواية العبرية لا يعني سوى شيء واحد: أن ما يدور في الغرف المغلقة يتطابق مع نشوة الانتصار الاستراتيجي التي يعرضها إعلام الاحتلال على شاشاته.

هذا الانبطاح السياسي من بعض القوى الداخلية يجد جذوره في أدبيات فكرية وسياسية ممتدة، وتحديداً ما يُعرف تاريخياً بـ"الصهيونية المسيحية" (Christian Zionism). هذا التيار، الذي نشأ وتطور في الغرب قبل الصهيونية اليهودية نفسها، يربط بين نبوءات لاهوتية معينة ودعم الكيان الإسرائيلي كواجب ديني.
وعندما يتسرب هذا الفكر إلى الداخل اللبناني تحت مسميات سياسية مختلفة، فإنه ينتج فئة تتماهى مع الطروحات الإسرائيلية، مضحيةً بالمصالح الوطنية العليا لحساب تحالفات مشبوهة، ومحاوِلةً الالتفاف على التاريخ المسيحي المشرقي الأصيل الذي طالما كان سداً منيعاً ضد مشاريع التفتيت والاحتلال.

لم يكن الابتهاج الذي أبداه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير أمنه "إسرائيل كاتس" وليد صدفة عاطفية، بل جاء نتاج مكاسب استراتيجية حققتها إسرائيل عبر هذا الاتفاق. ويكمن الخطر الجوهري للاتفاق في تكريسه لواقع احتلالي جديد على الأرض يقضي بأن ما استولى عليه الاحتلال في الجنوب يُثبّت كأمر واقع وبأوراق شرعية تحت مسمى "المنطقة الصفراء" أو "المنطقة الآمنة"، ولعل أخطر ما يحمله هذا الاتفاق هو اشتراط انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي التي احتلتها مؤخراً في جنوب لبنان بـ "نزع سلاح حزب الله" إن هذه الصياغة تسعى بوضوح إلى نقل عبء ومسؤولية المواجهة بالكامل إلى كاهل الجيش اللبناني، مما يعني استدراج البلاد إلى مواجهة داخلية وفتنة أهلية بين المؤسسة العسكرية ومكون داخلي اساسي.

 ترجمة هذا المخطط على أرض الواقع بدأت تأخذ منحىً بنيوياً خطيراً يستهدف الجيش اللبناني مباشرة؛ حيث يواجه قائد الجيش اللبناني حالياً ضغوطاً سياسية وخارجية هائلة لدق إسفين الاستقالة، وهو الضغط الذي يُشكل بحد ذاته الممر الإجباري والباب الأوسع لإشعال الحرب الأهلية.
ولكن المؤامرة لا تقف عند رأس الهرم العسكري، بل تمتد خطتها التنفيذية إلى ما هو أبعد من الضغط على قائد الجيش إذ تشير المعطيات المعروضة إلى مساعٍ تهدف إلى:
 إقالة وعزل واعادة تشكيل: الضباط والرتباء وحتى الجنود المنتمين إلى الطائفة الشيعية.
 الإبعاد عن المراكز الحساسة: نقل هؤلاء العسكريين إلى أماكن ومواقع غير أساسية أو هامشية داخل الهيكلية العسكرية.
تستهدف هذه الإجراءات الإقصائية تقسيم الجيش وتفتيت عقيدته الوطنية، وتمرير هذه الأجندة عبر الغطاء السياسي الذي يوفره رئيس الجمهورية الحالي وهو الرئيس الذي حُسِمَ أمره وموقعه كشخص مُعيّن أصلاً بأمر أمريكي مطلق ورضا إسرائيلي كامل ليكون الأداة السياسية لتمرير هذه الإجراءات وتثبيتها وخصوصاً انه يعرف تفاصيل التفاصيل من القيادة وحتى الكتائب في الالوية والوحدات.

على المقلب الآخر من المشهد، تتبدى ظاهرة الابتهاج الداخلي من بعض القوى السياسية بـ"اتفاق الإطار" كحالة من التماهي الكامل مع الأجندات الخارجية. ويرى محللون أن محاولات بعض الأطراف لتبرير خطوات تخدم المصالح الإسرائيلية تمثل تخلّياً صارخاً عن الثوابت الوطنية التاريخية.

لطالما شَهِدَ التاريخ اللبناني على وعي وإسهام المكون المسيحي الشريف في خطوط الدفاع الأولى عن سيادة البلد، حيث تقف مرجعيات كنسية، ورهبان، ونخب مسيحية وطنية ضد أطماع الاحتلال والاتفاقيات المجحفة. وبالتالي, فإن محاولات البعض تبرير الركض وراء تسويات مهينة بصيغ دينية ملتوية كإسقاط مفاهيم التسامح في غير موضعها وترجمة سياسياً في اتفاق الاطار وهو بند متعلق بتعهد عدم ملاحقة اسرائيل في المحاكم الدولية بسبب الجرائم التي ارتكبتها في لبنان...في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على وعي شرفاء هذا الوطن بكافة منابتهم الطائفية والسياسية لرفض مفاعيل هذا الاتفاق الإطاري الملغوم.. الوعي بطبيعة الفخ الأمريكي-الإسرائيلي المشترك، والتصدي لمحاولات تفتيت الجيش اللبناني وإقصاء مكوناته تحت مظلة رئاسية صُنعت في واشنطن، هو الخطوة الأولى لإحباط مخططات الفتنة، والتأكيد على أن السيادة اللبنانية لا تُجزأ، ولا تُباع في سوق الملاحق الأمنية السرية.


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • جمعية بنين تطلق سلسلة مشاريع إنتاجية خدماتية يعود ريعها بالكامل لدعم العمل الخيري في الجمعية تتمة...
  • تفكيك المؤسسة العسكرية.. ملحق "اتفاق الإطار" السري يبدأ بعزل الضباط والرتباء.. وينتهي بالفتنة! تتمة...
  • العماد هيكل يستقبل قائد القيادة المركزية الأميركية ويبحث معه آخر التطورات وأهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني باتفاق الإطار تتمة...
  • الرئيس عون: نعمل لدولة واحدة تحمي جميع اللبنانيين وتحافظ على حقوقهم. تتمة...