علي منصور - ليبانغيت
في الرابع عشر من شباط 2026، لم تكن ساحة الشهداء في بيروت مجرد محطة لإحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، بل تحوّلت إلى منصة سياسية لإعلان عودة نجله، الرئيس سعد الحريري، إلى قلب المشهد اللبناني. الحضور الشعبي الكثيف، والخطاب الواضح، والرسائل المباشرة التي وجّهها، أكدت أن المناسبة لم تكن عاطفية فقط، بل لحظة سياسية مفصلية.
حين قال الحريري: «قل لي متى ستكون الانتخابات، وسأخبرك ماذا سيفعل تيار المستقبل»، كان يختصر مرحلة كاملة من الصمت القسري ويعلن الانتقال إلى مرحلة المبادرة. عودة الرجل لم تأتِ من فراغ، بل بعد سنوات من الضغوط السياسية والمالية التي استهدفت موقعه ودوره في المعادلة اللبنانية. وهو لم يعد بخطاب تحدٍّ صدامي، بل بلغة من يعرف أن الزمن الإقليمي تغيّر، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وأن نافذة سياسية فُتحت له بعد سنوات من الإغلاق.
الضربة المالية: كيف أسقطت الرياض “سعودي أوجيه”؟
لا يمكن فهم مسار إبعاد الحريري دون التوقف عند ما جرى لشركة “سعودي أوجيه”، التي شكّلت العمود الفقري لقوة الحريرية السياسية لعقود خلت. الشركة لم تنهَر بسبب فشل إداري تقليدي أو خسائر تجارية طبيعية، بل نتيجة سلسلة قرارات سياسية – مالية تزامنت مع تحولات داخلية في المملكة.
بدأت الأزمة حين توقفت التلزيمات الحكومية الجديدة للشركة بقرار من وزير الداخلية آنذاك محمد بن نايف. ثم تراكمت مستحقات لـ“سعودي أوجيه” لدى الحكومة بمليارات الدولارات، من دون أن تُدفع حتى الآن. هذه المستحقات، بحسب معلومات مؤكدة ، كانت كافية لإعادة تعويم الشركة وتسديد ديونها للمصارف ورواتب وتعويضات عشرات آلاف الموظفين. آنذاك حاول الملك عبد الله مساعدة الحريري، فأصدر توجيهاً إلى محمد بن نايف بدفع المستحقات للحريري وتلزيمه مشاريع جديدة، لكن بن نايف ماطل وراوغ، مستغلاً مرض الملك عبد الله الذي توفي بعد فترة قصيرة، لتدخل المملكة بعد ذلك في عهد محمد بن سلمان، الذي أطاح بالجميع، وعلى رأسهم ابن عمه محمد بن نايف.
لم تسمح الرياض بإعادة هيكلة حقيقية، بل جرى تفكيك الشركة تدريجياً وصولاً إلى بيع أصولها بأبخس الأسعار في مزادات صورية، كانت بمثابة تصفية قسرية وإعدام لأكبر شركة مقاولات في الشرق الأوسط.
بهذا المعنى، لم يكن سقوط “سعودي أوجيه” مجرد انهيار شركة مقاولات، بل ضربة مباشرة للشريان المالي الذي كان يرفد الحريري سياسياً. الضربة لم تقتصر على المال، بل طاولت موقع الرجل في الداخل اللبناني، وأصابت الساحة بعرج سياسي دفعت ثمنه الطائفة السنية.
من الضغط المالي إلى الاحتجاز السياسي
تُوّج هذا المسار في عام 2017 حين أعلن الحريري من الرياض عن استقالته من رئاسة الحكومة في ظروف غامضة ومريبة ، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنه كان محتجزاً قسرياً وقد أُجبر على الإدلاء ببيان الإستقالة . تلك اللحظة شكّلت ذروة محاولة إعادة رسم التوازن السني في لبنان عبر إقصاء الحريري وإعادة تشكيل القيادة السياسية.
وبعد قرابة عقدٍ من الزمن، بقيت النتيجة معاكسة للتوقعات. فلم يستطع احد ملئ الفراغ ،ودخل الشارع السني في حالة تشتت، وفشلت محاولات استنساخ زعامات بديلة في تكوين شرعية شعبية حقيقية. وبقي اسم الحريري، رغم الغياب، عنواناً جامعاً لشريحة واسعة من اللبنانيين، ما جعل فكرة عودته تتقدّم تدريجياً في الوعي الشعبي كحاجة سياسية لا كخيار شخصي.
بطاقة عبور خضراء للتيار الأزرق
في السنوات التي تلت انسحاب الحريري، وقبله، كان الفيتو السياسي للرياض فجّاً وواضحاً. لكن مع تصاعد الخلاف السعودي–الإماراتي، تغيّر المشهد. أبوظبي، التي استضافت الحريري في مرحلة إعادة ترتيب أوضاعه المالية، لم تدخل مباشرة في السياسة اللبنانية سابقاً كي لا تصطدم بالدور السعودي، لكنها اليوم لم تعد في موقع الانسجام مع خيارات الرياض، ولا حتى معنية بمراضاتها أو الوقوف على “خاطرها”.
هذا التحوّل خلق مساحة حركة جديدة. لم يعد الضغط السعودي يلقى آذاناً صاغية، سوى ما تقوم به القنوات الفضائية السعودية من حملات منظمة ضد تيار المستقبل. ولم تعد أبوظبي ترى في بيروت منطقة نفوذ مُطوّبة باسم الرياض. عملياً، شكّل الخلاف بين العاصمتين ما يشبه “بطاقة عبور خضراء” للتيار الأزرق.
الحريري لم يعلن اتكاءً على محور، بل استفاد من التوازنات الجديدة. تحرّر أبوظبي من الحرج أمام الرياض أتاح له إعادة تموضع من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المملكة.
بهذا المعنى، لم تكن العودة مجرد قرار داخلي، بل نتيجة قراءة دقيقة للتحول في البيئة الإقليمية.
الانتخابات المقبلة: استعادة المبادرة
إعلان تيار “المستقبل” الاستعداد للمشاركة في انتخابات أيار 2026 يعيد الحيوية إلى المشهد السياسي. الحريري لن يترشح شخصياً، لكنه أشار إلى تشكيل كتلة تحمل مشروع الدولة واستعادة المؤسسات.
العودة هنا ليست مجرد رغبة شخصية، بل تعبير عن حاجة سياسية داخلية. فبعد سنوات من الانكفاء، يبدو أن المزاج الشعبي أعاد تثبيت موقع الحريري بوصفه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. وفي لحظة تشرذم سياسي، تبرز الحاجة إلى إعادة تثبيت مرجعية سنية وسطية في المعادلة اللبنانية، بعيداً عن الاصطفافات الحادة. والحريري يدرك أن قوة حضوره تكمن في القاعدة الشعبية التي لم تتبدد رغم سنوات الغياب.
الحريري بعد التجربة
التجربة القاسية – من تفكيك “سعودي أوجيه” إلى الاحتجاز السياسي – أعادت صياغة شخصية الحريري السياسية. هو يعود اليوم أكثر حذراً وواقعية في قراءة التحالفات، وأكثر تركيزاً على الداخل اللبناني، وأشد إدراكاً لطبيعة التوازنات، وأقل اندفاعاً في الرهان على ضمانات مطلقة.
لقد أثبتت المرحلة الماضية أن محاولة إقصائه لم تُنتج بديلاً وازناً ، وأن غيابه خلق فراغاً أكبر من المتوقع. ومع التحول في ميزان العلاقات الإقليمية، وجد الحريري اللحظة المناسبة للعودة، مستفيداً من تباينات الكبار من دون أن يتحوّل إلى أداة في صراعهم.
بين ذكرى الاستشهاد واستحقاق الانتخابات، يقف سعد الحريري اليوم في موقع مختلف:
لا مجرد وريث لمرحلة، بل رجل تعرّض لمحاولة إقصاء منظمة، وانتظر تبدّل اللحظة الإقليمية، ثم عاد. والانتخابات المقبلة لن تختبر فقط حجم تمثيله، بل مدى قدرته على تحويل هذه “البطاقة الخضراء” إلى مشروع سياسي مستدام يعيد تثبيت التيار الأزرق في قلب المعادلة اللبنانية.
تغطية مباشرة
-
تعقيدات رسمية من السفارة اللبنانية في كولومبيا أخرت وداع ونقل جثمان الشاب اللبناني علي موسى الرضا الى مسقط رأسه يارون..أكثر من أسبوعين من الانتظار المر بسبب مزاج السفيرة! تتمة...
-
ارتقاء شهيد في غارة على بلدة طلوسة تتمة...
-
الرقم الصعب الذي لا يُشطب: كيف أثبتت سنوات الغياب أن "الحريرية" حاجة لا خيار؟ تتمة...
-
الشيخ نعيم قاسم: هذه الحال لا يمكن أن تستمر أما متى وكيف وما هي المستجدات التي تغير هذا الواقع سنترك للوقائع أن تروي الحكاية