سياسة ومحليات

حين يغيب الجسد ويبقى الوطن.. ومن سكن القلب لا يغيب يا موسى

حسين مروّة -ألمانيا

في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب سماحة الإمام السيد موسى الصدر، وأخويه
في لبنان، هناك رجالٌ يغيبون عن المكان، لكنهم لا يغيبون عن الذاكرة. وهناك رجال لا يصبح غيابهم صفحةً في التاريخ، بل يتحول إلى سؤال مفتوح في ضمير الوطن.

واليوم، بعد ثمانية وأربعين عامًا، لا يزال اسم الإمام السيد موسى الصدر، واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا في وجدان لبنان واللبنانيين. لا لأنّه كان رجل دين فحسب، ولا لأنّه كان زعيمًا لطائفة بعينها، بل لأنّه حمل في قلبه وطنًا كاملًا، حمل هموم فقرائه ومحروميه، وخوف مسلميه ومسيحييه، وجراح جنوبه، وبقاعه، وجبله، ومدنه، وقراه، حاول أن يجعل من اختلاف اللبنانيين مصدر غنى، لا سببًا للقتل والاقتتال.

كان موسى الصدر يعرف أن لبنان ليس طائفة واحدة، ولا حزبًا واحدًا، ولا منطقةً واحدة. كان يعرف أن لبنان، إذا فقد قدرة أبنائه على رؤية بعضهم بعضاً كأخوة في وطن واحد، فلن يبقى منه إلا اسمه.

فحين اشتعلت الحرب الدامية في سبعينات القرن الماضي، لم يبحث عن مكانٍ آمن بعيدا عن النار، ولم يقف متفرجاً على اللبنانيين وهم يقتلون بعضهم بعضا. ذهب إلى قلب المأساة، رفع صوته في وجه الجميع: أوقفوا الحرب.

وحين عجزت الكلمات، كان جسده هو الكلمة.اعتصم وأضرب عن الطعام احتجاجا على استمرار الاقتتال، وكأن رجل الدين الذي اعتاد الناس أن يشاهدونه فوق المنابر،قرر أن ينزل عن المنبر إلى الأرض، وأن يقول للبنانيين: 

لا أستطيع أن أطلب منكم السلام وأنا مرتاح، بينما الوطن ينزف.
كان يستطيع أن يتخذ من طائفته متراسا، لكنه اختار أن يجعلها جسرا.

وكان يستطيع أن يرد على الطائفية بالطائفية، لكنه اختار الحوار.
وكان يستطيع أن يواجه العنف بعنف أكبر منه، لكنه ظل يرفع راية الإنسان، مؤمنًا بأن الدفاع عن المظلوم لا يعني كراهية من يختلف معه، وأن قوة الوطن لا تكون بإلغاء أحد مكوّناته، بل بحماية الجميع.
لهذا أحبه كثيرون من خارج طائفته كما أحبّه أبناء طائفته.

وجد فيه المسلم رجلًا يحمل وجع المسلمين ويدافع عن كرامتهم، و وجد فيه المسيحي رجلًا يحترم وجوده، وشراكته وحقه في الوطن، و وجد فيه الجنوبي صوتًا يدافع عن أرضه، و وجد فيه المحروم من حمل قضيته، 

و وجد فيه اللبناني رجلًا لا يريد للبنان أن يتحول إلى مقبرة لأبنائه.
ولعل أجمل ما تركه لنا موسى الصدر، ليس اسم مؤسسة، أو حركة سياسية، ولا خطابًا عابرًا، بل فكرة أكبر من الأشخاص جميعًا: 
أن الوطن لا يُبنى عندما ينتصر اللبناني على اللبناني، وإنما عندما ينتصر اللبناني على خوفه من أخيه.
لقد كان الرجل يحمل قضية المحرومين، لكنه لم يحصر الحرمان في طائفة. كان يرى أن الحرمان من العدالة حرمانٌ وطني، وأن الإنسان المقهور، أيًا كان دينه أو مذهبه، هو جزء من القضية نفسها.

وفي زمنٍ كان لبنان يتشظى فيه إلى خنادق، كان هو يبحث عن مساحة مشتركة.
وفي زمنٍ كانت فيه الهوية تُستخدم سلاحًا، كان يحاول أن يجعل منها بابًا للتعارف.
وفي زمنٍ أصبح فيه الموت أكثر سهولة من الحوار، اختار الحوار.
ثم غاب..بل غُيّب...

ففي 31 آب 1978، غادر سماحة الإمام السيد موسى الصدر إلى ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين..
وبعد ذلك الوقت انقطعت أخبار الرجال الثلاثة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال: أين موسى الصدر فقط؟
بل أصبح السؤال الأعمق:

أين لبنان الذي كان موسى الصدر يحلم به؟
ثمانية وأربعون عامًا مرّت، وما زال الجواب ناقصًا.
ثمانية وأربعون عامًا، وما زالت عائلة تنتظر، ووطن ينتظر، وأبناء وأحفاد جيلٍ كامل يسألون: ماذا حدث لذلك الرجل الذي خرج من لبنان حاملًا قضية لبنان، ولم يعد؟

إن تغييب الإمام الصدر لم يكن تغييب رجل واحد. لقد كان تغييبًا لصوت كان يريد أن يجمع، ولعقلٍ كان يحاول أن يمنع الانقسام من التحول إلى قدر، 

ولرجلٍ كان يرى أن لبنان أكبر من كل محاوره وخنادقه وحساباته.
ولهذا فإن ذكراه لا ينبغي أن تكون مناسبةً لطائفة دون أخرى.

بل هي مناسبة لكل لبنان.
للشيعي الذي يراه إمامًا وقائدًا.
وللسني الذي يراه رجل اعتدال وحوار.
وللمسيحي الذي يراه شريكًا في الدفاع عن صيغة العيش المشترك.

ولكل لبناني، مهما كان انتماؤه، يرى في الوطن بيتًا لا يجوز أن يتحول إلى ساحة حرب.

فيا لبنان...
بعد ثمانية وأربعين عامًا، ماذا تقول للرجل الذي حملك في قلبه؟
هل تقول له إن الحرب انتهت؟
نعم، انتهت الحرب الأهلية في كتب التاريخ، لكن جراحها لم تنتهِ كلها في النفوس.
هل تقول له إن اللبنانيين تعلموا الدرس؟

ربما... وربما ما زلنا نتعثر أمام الدرس نفسه كلما ارتفع صوت الطائفة فوق صوت الوطن.
هل تقول له إن مشروعه تحقق؟
لا نستطيع أن نقول ذلك.
لكننا نستطيع أن نقول إن فكرته ما زالت حيّة.
فكلما دعا لبناني إلى الحوار، كان في ذلك شيء من موسى الصدر.
وكلما مدّ مسلم يده إلى مسيحي، أو مسيحي يده إلى مسلم، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، كان هناك شيء من الحلم الذي حمله ذلك الرجل.

وكلما وقف إنسان إلى جانب محروم أو مظلوم لأنه إنسان، لا لأنه من طائفته، عاد شيء من صوته.
أيها الإمام المغيّب...

قد يكونوا قد غيّبوا جسدك، لكنهم لم يستطيعوا تغييب الفكرة.
قد تكون السنوات قد أخذت منك حضورك بين الناس، لكنها لم تستطع أن تأخذ حضورك من ذاكرة وطن.

لقد غبت عن لبنان منذ ثمانية وأربعين عامًا، لكن لبنان ما زال يبحث عنك.
ليس بحثًا عن رجلٍ فقط، بل بحثًا عن زمنٍ كان فيه من الممكن أن يقول رجل دين: إن دم اللبناني على اللبناني حرام، وأن المسلم والمسيحي شريكان في وطن واحد، وأن كرامة الإنسان لا تُجزّأ، وأن الطائفة لا يجوز أن تكون قبرًا للوطن.

في ذكراك، لا نريد أن نبكيك فقط.
نريد أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالوطن الذي أحببت؟
هل حفظنا وصيتك؟
هل جعلنا الاختلاف رحمة؟
هل جعلنا الحوار أقوى من السلاح؟
هل أعطينا الفقير والمحروم حقه؟
هل حافظنا على لبنان الذي آمنت بأنه وطن نهائي لجميع أبنائه؟

هذه الأسئلة ليست موجهة إلى السياسيين وحدهم.
إنها موجهة إلينا جميعًا.
إلى كل مسلم.
إلى كل مسيحي.
إلى كل لبناني.
لأن موسى الصدر لم يكن يريد لبنانًا يعيش فيه المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب فقط، بل كان يريد لبنانًا يشعر فيه كل واحد منهما أن الآخر جزء من وطنه، ومن كرامته، ومن مستقبله.
ثمانية وأربعون عامًا على التغييب...
وما زال الغائب حاضرًا.
حاضرًا في الجنوب الذي أحبّه.
في المحرومين الذين حمل قضيتهم.
في الكنائس التي حاور أهلها.
في المساجد التي خاطب أبناءها.
في قبضات من يقدمون انفسهم وارزاقهم دفاعاً عن ارضهم وبلدهم لبنان.

في كل أم لبنانية تخاف على أبنائها من الحروب العبثية.حروب الأزقة..
وفي كل أب يريد أن يرى أولاده يعيشون في بلد لا يحتاجون فيه إلى السؤال: 

من أي طائفة أنت؟
 قبل أن يسألوا: من أنت؟
يا سماحة الإمام...
ربما لم يعد لبنان قادرًا اليوم على سماع صوتك كما كان يسمعه ذات يوم.
لكننا نحن، أبناء لبنان، ما زلنا نحتاج إلى سماعه.
نحتاج إلى رجلٍ يقول لنا إن الوطن ليس غنيمة، وإن الطائفة ليست وطنًا، وإن الدين لا يكون سببًا لقتل الإنسان، وإن الاختلاف لا يلغي المحبة، وإن لبنان لا يعيش إلا إذا عاش جميع أبنائه متحابون في ضلال الوطن.

في 31 آب 2026، بعد ثمانية وأربعين عامًا من الغياب، لا نقول إن لبنان نسيك.
بل نقول إن لبنان الذي لم يجد جوابًا شافيًا عن مكانك، ما زال يحتفظ بمكانك في قلبه.
وسيظل السؤال مفتوحًا:
أين موسى الصدر؟
لكن السؤال الآخر يجب أن يبقى مفتوحًا أيضًا:
أين لبنان الذي أراده موسى الصدر؟
ولعل الوفاء الحقيقي للرجل الذي اعتصم حزنًا على لبنان ليس أن نرفع صوره فقط، ولا أن نتحدث عنه في ذكرى تغيبيه من كل عام، بل أن نعيد بناء الجسر الذي حاول أن يبنيه بين اللبنانيين.
فإذا عاد اللبناني إلى أخيه، عاد موسى الصدر إلى لبنان.
وإذا انتصر الحوار على الكراهية، عاد موسى الصدر الى لبنان..

وإذا أصبح المسلم والمسيحي شريكين لا خصمين، عاد موسى الصدر الى لبنان..

وإذا أصبح الإنسان أغلى من الطائفة، والوطن أغلى من الزعيم، والحق أغلى من الحسابات، عندها فقط نستطيع أن نقول:

لم يغب موسى الصدر...
لقد غاب الرجل، وبقيت الرسالة.
غاب الصوت، وبقي الصدى.
غاب الجسد ، وبقي الوطن الذي حمله في قلبه.

سلامٌ على موسى الصدر، وعلى اخويه،رفيقيه..وعلى كل من غاب لأجل وطنه ولم يعد.

سلامٌ على لبنان... يوم يصبح الوطن الذي حلم به أبناؤه جميعًا، لا وطن الخوف من بعضهم البعض، بل وطن الحياة معًا.
موسى الصدر حيا فينا،
ومن سكن القلب لا يغيب يا موسى...